ثقافة فضائية

العود القمري الشمسي – مفتاح التنبؤ بالكسوف والخسوف

Saros

شغلت ظاهرتا كسوف الشمس وخسوف القمر اهتمام الإنسان، منذ آلاف السنين؛ إذ كانتا من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للدهشة والغموض.

مع تطور علم الفلك، لاحظ علماء الفلك البابليون أن هاتين الظاهرتين لا تحدثان بصورة عشوائية، بل تتكرر بنفس النمط، خلال فترة زمنية محددة مدتها 223 شهر قمري (اقتراني). ندعو هذه المدة الزمنية بالعود القمري الشمسي. بعد انقضاء هذه المدة تعود الشمس والأرض والقمر إلى أوضاع هندسية متشابهة جداً لما كانت علية، وتبدأ ظاهرتي الكسوف والخسوف بتكرار نفسيهما بخصائص قريبة جداً من أحداث الدورة السابقة.

بحساب العود، نجد أنّه يعادل 18 سنة شمسية و11 يومًا و8 ساعات. هذه الساعات الثمانية تجعل الأحداث الفلكية لا تشاهد من المكان نفسه على سطح الأرض، بل تنزاح تقريباً بقدر 120 درجة على خطوط الطول؛ أي أنّه:

إذا حدث كسوف أو خسوف بمنطقة ما فإنّه سيعود ويتكرر بنفس الكيفية، ولكن لن يشاهد بهذه الكيفية من نفس المكان بل سيزاح بقدر ثلث الأرض غرباً.

طبعاً بعد ثلاث عودات (54 سنة وشهر وبضعة أيام ) تعود الظاهرة لتشاهد من نفس المكان. تدعى هذه الفترة المطولة بالعود التام.

تروي بعض المصادر أنّ الفيلسوف المعروف تالس كان على دراية بالعود القمري الشمسي وتنبأ بالكسوف الكلي للشمس الذي حدث في 28 أيار سنة 585 قبل الميلاد، وأنّ هذا الكسوف أوقف حرباً طويلة كانت تدور بين الميديين والليديين؛ حيث اعتبر الجيشان أنّ حلول الظلام في وضح النهار نذيراً إلهياً بوجوب إنهاء الحرب. تُعد هذه الحادثة من أشهر الأمثلة على تأثير الظواهر الفلكية على مجرى التاريخ الإنساني.

في الوقت الحاضر تُحسب مواعيد الكسوف والخسوف باستخدام النماذج الرياضية الدقيقة والحواسيب والرصد الفلكي عالي الدقة؛ غير أنّ العود القمري الشمسي ما زال ذو قيمة علمية كبيرة؛ فهو يوضح انتظام الحركة النسبية بين الأرض والقمر والشمس، ويعد من أجمل الأمثلة على الدقة الرياضية التي تحكم النظام الشمسي.

يسمى العود (223 شهراً) عالمياً بـ (Saros)، ومن المفارقات أنّ هذه التسمية نتجت عن خطأ في الترجمة من البابيلية إلى اليونانية القديمة، وثمّ للغات الأوربية؛ حيث شوهدت الكلمة في النص البابلي، وهي تعني بالضبط العدد 3600، وفهمت خطأً على أنّها تعني العود.

إنّ اكتشاف العود من قبل البابليين لا يمثل فقط صفحة من تاريخ علم الفلك، بل يظلّ شاهداً على قدرة الإنسان، منذ العصور القديمة، على اكتشاف الأنماط في الطبيعة وتحويلها إلى معرفة.

…          أ.د. خالد العبدالله